صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

214

شرح أصول الكافي

فعلم ما خلق عندما خلق وما كون عندما كون ؟ فوقع بخطه : لم يزل اللّه عالما بالأشياء قبل ان يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء » . الشرح قد سبق منا ان لعلمه تعالى اربع مراتب ، ولنعد ذلك بعبارة أوضح وأصرح فنقول : قد قرع سمعك منا فيما مضى ان للأشياء وجودات مختلفة ونشئات متعددة ، وان لها وجودا كونيا ووجودا نفسيا ووجودا عقليا ووجودا إلهيا ، وان الوجود كلما كان اشرف وأعلى كان أكثر جمعا للمعاني والماهيات وأشد حيطة بالموجودات . فاعلم أن العناية عبارة عن إحاطة علم اللّه بالأشياء على ما هي عليها إحاطة كلية وجمعية تامة ولا محل لها ، إذ ليس علم اللّه تعالى المستأثر لذاته الا حضور ذاته لذاته بوحدته الذاتية ولما يحضره من معاني الصفات والأسماء التي نسبتها إلى وجود ذاته نسبة الماهية إلى الوجود في الممكن التي هي بعين وجوده موجودة ، لكن الواجب لذاته لا ماهية له ولا حد لوجوده . والصوفية اصطلحوا عن وجوده تعالى بالأحدية وغيب الغيوب وعن صفاته وأسمائه بالواحدية والإلهية . وتلك الحقيقة اوّل ما اقتضت بالمشيئة الذاتية جوهرا قدسيا يسمّى بالروح الأعظم والعقل الأول والقلم الاعلى والحقيقة المحمدية على ما وردت به الأحاديث النبوية ونطقت به الحكمة الإلهية وأشارت إليه الآيات القرآنية ، قال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 1 » وقال : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ « 2 » وقال : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ « 3 » ، وله مراتب عقلية ودرجات قدسية تسمى بالجواهر العقلية والأنوار القاهرة لأنها مؤثرة بتأثير اللّه فيما تحتها من النفوس والاجرام ، فقاهريتها التي هي تأثيرها بتأثير اللّه في غيرها صورة صفة قاهرية اللّه ومظهر رسمه القهار ، وانها ليست من جملة العالم وما سوى اللّه ، إذ ليس وجودها وجود الافعال ، كالنفوس والاجرام ، لأنها خزائن علم اللّه ومفاتيح الغيب . واما العالم والسوي : فهو عبارة عن مجموع الاجرام ونفوسها وقواها المتعلقة بموادها ، لأنها حادثة متجددة في كل حين ، ثم بتوسط تلك الجواهر القدسية وما يطويها ويحملها من

--> ( 1 ) - الاسراء 85 . ( 2 ) - الزخرف 4 . ( 3 ) - العلق 3 و 4 .